اسماعيل بن محمد القونوي
85
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الذين آمنوا الخ لم يفهم نفي مساواة المسئ للمحسن فيما له من الفضل بل يوهم خلافه فأدخل كلمة النفي على الأعمى والمسئ للتنبيه على ذلك وظاهر الكلام نفي الاستواء بين الفريقين والمراد نفي مساواة الكافر للمؤمن فيما له من الفضل ونبه على ذلك بإدخال كلمة النفي على الفريق الغافل وكذا في سائر المواضع ويتضح منه وجه آخر لتقديم الأعمى وتأخير المسئ . قوله : ( والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه على الأعمى والبصير ) والعاطف الثاني أي قوله والذين آمنوا عطف الموصول وهو الذين بما عطف عليه وهو قوله لا المسئ على الأعمى والبصير أي عطف المجموع على المجموع كما في قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] إذ لا جامع بين الوصفين بل الجامع بين المجموعين أما الواو الأولى والأخيرة للجمع بين الوصفين . قوله : ( لتغاير الوصفين في المقصود أو الدلالة بالصراحة والتمثيل ) وجه التغاير أن الغافل وهو المراد بالأعمى والمستبصر وهو المراد بالبصير والمحسن والمسئ صفات متغايرة المفهوم وإن كان ما صدق عليه الأعمى والمسئ والمستبصر والمحسن متحدا لكن التغاير مفهوما كاف في العطف لأنه تغاير اعتباري ينزل منزلة التغاير الحقيقي قوله في المقصود لا يظهر وجهه إذ مصحح العطف كما عرفته التغاير مفهوما وإن أمكن إرجاعه إليه قوله والدلالة عطف على المقصود والدلالة بالصراحة بالذين آمنوا والتمثيل بالبصير أيضا والدلالة بالصراحة المسئ والتمثيل بالأعمى فعلم منه أن قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا [ غافر : 51 ] ولا المسئ مشبه وما قبله مشبه به فترك العطف مناسب لكن عطف للتغاير المذكور . قوله : ( أي تذكر ما قليلا يتذكرون والضمير للناس أو للكفار ) أي تذكر أي أن نصب قوله : والعاطف الثاني الخ أي العاطف الثاني وهو الواو في والذين آمنوا عطف الموصول يعني الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما عطف عليه من قوله ولا المسئ على الأعمى والبصير أي عطف العاطف الثاني هذين الضدين على ذينك الضدين مع أن المعطوف والمعطوف عليه متحدان ذاتا فإن المراد بالأعمى المسئ وبالبصير المحسن المفهوم من قوله : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ المائدة : 93 ] نظرا إلى المغايرة الواقعة في المقصود من نفي مساواة الوصفين في المعطوف والمعطوف عليه فإن المقصود من نفي مساواة الوصفين في المعطوف بيان التفاوت فيما للمحسن من الكرامة والفضل على المسئ وفي المعطوف عليه بيان التفاوت فيما للبصير من الاهتداء إلى المطلوب فالعطف راجع إلى تغاير المقصودين من نفي مساواة الوصفين في المعطوف والمعطوف عليه أو نظرا إلى تغاير الوصفين في الدلالة على المعنى المراد فإن دلالة المعطوف وهو والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ على المعنى لكونها على وجه الصراحة أوضح من دلالة المعطوف عليه وهو ما يستوي الأعمى والبصير لكون دلالته عليه وجه التمثيل ضرب الأعمى مثلا للمسيء والبصير للمحسن فإن فيه نوع خفاء لكونه مجازا مستعارا والحقيقة أدل على المقصود من المجاز فالعطف لتغايرها في الدلالة على المعنى المراد وضوحا وأوضح فالعطف على هذا الوجه من باب العطف التفسيري .